200 يوم من الحرب على غزة تترك ندوبا نفسية عميقة يصعب شفاؤها وقد تنتقل لأجيال
طفلان يحاولان إطلاق طائراتهما الورقية في سماء مدينة رفح التي نزحوا اليها هربا من الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر تشرين الأول (7 فبراير شباط 2024)
  • غزة

  • الثلاثاء، ٢٣ أبريل ٢٠٢٤ في ٢:٢٧:٤٣ م
    آخر تحديث : الثلاثاء، ٢٣ أبريل ٢٠٢٤ في ٢:٣٦ م

200 يوم من الحرب على غزة تترك ندوبا نفسية عميقة يصعب شفاؤها وقد تنتقل لأجيال

(وكالة أنباء العالم العربي) - تترك الأحداث المؤلمة والذكريات التعسة ندوبا نفسية عميقة قد تلازم المرء مدى الحياة.

وبعد 200 يوم من بدء الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، لا يزال سكان القطاع يعيشون أوضاعا صعبة على كافة المستويات نهشت نفوسهم وطبعت فيها آثارا متوغلة ستلازمهم في الأغلب لسنوات طويلة وربما لمدى الحياة، بل وقد تنتقل للأجيال القادمة.

فالشفاء من مثل هذه الجراح النفسية العميقة ليس بالأمر اليسير، خاصة وأنه خلال الحرب التي اشتعلت في السابع من أكتوبر تشرين الأول انهارت المنظومة الصحية بالكامل، وما تبقى من مشاف لا يعمل إلا بمستويات محدودة للغاية. ناهيك عن النزوح المتواصل الذي يصاحبه خوف وقلق واكتظاظ واستخدام للمياه الملوثة وانعدام للنظافة، مع شح الغذاء وانقطاع الكهرباء وانتشار الأمراض العضوية بين النازحين.

ويقول مختصون إن رحلة التعافي النفسي ستطول، ويشيرون أيضا إلى تأثر الحياة الاجتماعية بعدما تغيرت أدوار أفراد العائلة الواحدة وتداخلت واختلفت وخرجت عن نسقها الطبيعي.

وترى مديرة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية سماح جبر أن كل من في قطاع غزة متأثر بظروف الحرب المأساوية على المستوى النفسي، وأنه كلما كان المرء بمرحلة النمو والنضج كان أكثر تأثرا من الناحية النفسية.

وأضافت لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) "ما يتعرض له الأطفال من تجويع يؤثر في نموهم وقدراتهم العقلية والمعرفية وحالتهم النفسية، فهم يتأثرون بردود أفعال عائلتهم، وكلما استطاعت العائلة تمرير رسائل بأنها متماسكة كان أفضل للطفل، رغم أن الوضع صعب لدرجة أن الكبار أنفسهم لا يستطيعون أن يتماسكوا".

ومضت قائلة "الفئة الأخرى الأكثر حساسية هي النساء، وتحديدا من يعشن تجربة الإنجاب، سواء في مرحلة الحمل أو الإنجاب أو ما بعد الإنجاب، ما يجعل الهشاشة النفسية لديهن أكبر من الآخرين. ففي غزة هناك 5500 امرأة ينجبن شهريا؛ وفي غياب المنظومة الطبية وغياب الأمان، تتأثر حالتهن النفسية والاجتماعية، خاصة مع غياب الأدوية والتهديد الذي يشكله ذلك على حياتهن وحياة أطفالهن، ما يزيد شعور الذنب والعجز".

* تأثيرات عابرة للأجيال

من بين الفئات الأكثر هشاشة نفسية المسنون الذين شهدوا حروبا سابقة مروا فيها بتجربة فقد الأرض والدار.

قالت سماح جبر "عايشوا نكبة 1948 ونكسة 1967 وعاشوا تلك الويلات سابقا، والآن يعايشون هذه الحرب التي تعيد تاريخهم الصعب؛ كما أن تقدمهم بالسن لا يمكّنهم من أن يساعدوا أنفسهم، فالحياة تصبح أشد قسوة عليهم".

وإلى جانب من هم في قطاع غزة تؤثر الحرب أيضا على الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي الخارج، فهُم أيضا يعانون صدمة، حتى وإن كانت ثانوية، جراء ما يحدث وشعورهم بالعجز والذنب لأنهم غير قادرين على منع ما يجري في القطاع.

وترى مديرة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة أن التأثيرات النفسية للحرب ستدوم مدى الحياة وستنتقل بالجينات للأجيال القادمة بسبب صعوبة الأحداث وقسوة الصدمات النفسية والاجتماعية وحجم الفقد الذي يعيشه سكان غزة. وقالت إنهم سيحتاجون لتدخلات نفسية كبيرة ومكثفة وسريعة بعد نهاية الحرب تخفيفا لوطأة ما تعرضوا له من صدمات نفسية واجتماعية.

ويقول المعالج النفسي فتحي فليفل إن مواطني غزة بجميع فئاتهم وأعمارهم يتعرضون لتأثيرات عديدة سواء مباشرة أو غير مباشرة تتمثل فيما واجهه بعض أفراد العائلة من ممارسات صعبة تحدث أمام أعين البعض الآخر.

هناك أيضا تأثيرات طويلة المدى، مما يعني استمرار رحلة التعافي لسنوات وانتقال المشاكل النفسية للأجيال القادمة سواء بالصدمة المباشرة أو غير المباشرة المتناقلة عبر الأجيال.

وقال فليفل "جزء من شعبنا ما زال يعاني آثار النكبة منذ 75 عاما؛ وما يحدث بغزة أسوأ مما حدث بالنكبة لعدة أسباب أهمها طول الفترة الزمنية وحجم الخسائر والإحساس بالخذلان وأنهم متروكون بمفردهم تحت أنظار العالم. تأثيرات ذلك كله ستأخذ فترات طويلة للتعافي".

وأكد أن ما يحدث في غزة سيؤثر بقوة في ثقة الفلسطينيين بالقانون الدولي وحقوق الإنسان وبكل ما يُطلق من شعارات.

* محو الذاكرة

لا يقتصر الأمر على كل ذلك، إذ يرى فليفل أن المسألة الأسوأ على البعد النفسي هي أن ما ترتكبه إسرائيل "يضفي شكلا من أشكال الشرعية على ارتكاب مثل هذه الجرائم، ويعطي الضوء الأخضر لأي حكومات وجيوش أخرى في مناطق أخرى بالعالم لارتكاب جرائم مماثلة"؛ ما يجعل التأثير النفسي أكبر وانتقاله لشعوب أخرى أيسر، ومن ثم لن يقتصر التأثير على الفلسطينيين فقط، بل يمكن أن يمتد على مستوى العالم.

ويضيف "هذه المخاوف تعكس التضامن الشعبي في العالم مع الشعب الفلسطيني، أي أنه يكاد يكون حالة من حالات الدفاع عن الذات".

وتابع "المشكلة الأخرى تتمثل في محاولات محو الذاكرة، فنسف المنازل وهدمها ليس فقط استهدافا ماديا بل استهدافا للذكريات. فالمنزل ليس مأوى فقط بل دفء نفسي واجتماعي. وهدف إسرائيل من ذلك تفريغ الذاكرة وخلق شكل من أشكال القطيعة وتشويه العلاقة مع المكان والوقت في ذاكرة المواطنين".

الاختصاصية النفسية هانية عبيد كانت قد أكدت في تصريحات سابقة لوكالة أنباء العالم العربي أن الوضع الراهن في غزة يتراوح بين مشاعر الخوف والخذلان والترقب والقلق، وأن ذلك ستكون له انعكاسات كبيرة على الحالة النفسية على المدى البعيد.

وقالت "التنبؤ بكيفية تعامل سكان غزة مع الأحداث الصادمة وتأثيراتها النفسية بعد الحرب أمر صعب الآن كون المقاومة النفسية والقدرة على التحمل واستخدام المصادر الداعمة من شخص لآخر تختلف".

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت من تفاقم الأوضاع في غزة جراء الحرب وقالت إن الوضع "يستعصي على الوصف"، وأشارت إلى الآثار والعواقب النفسية طويلة الأمد على الناجين والأسر، وأن الناجين من الحروب يعيشون "صدمة الحرب".

اقرأ أيضا