تنسيقية (تقدم) السودانية أمام تحديات كبيرة لإنهاء الحرب
جانب من فعاليات المؤتمر التأسيسي العام لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) (30 مايو آذار)
  • الخرطوم

  • السبت، ١ يونيو ٢٠٢٤ في ٨:٥٦ ص
    آخر تحديث : الأحد، ٢ يونيو ٢٠٢٤ في ٨:١٩ ص

تنسيقية (تقدم) السودانية أمام تحديات كبيرة لإنهاء الحرب

(وكالة أنباء العالم العربي) - بعد عقد مؤتمرها التأسيسي خلال الفترة من 26 إلى 30 مايو أيار الجاري بحضور أكثر من 600 شخصية تمثّل أقاليم وولايات السودان المختلفة ومشاركة أكثر من 30 شخصية من دول المهجر، يترقّب المتابعون للمشهد السوادني الدور الذي ستلعبه تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدّم) في المرحلة المقبلة.

ومن المأمول أن يكون للتنسيقية، التي أصبحت أكبر تحالف سياسي سوداني، دور في جمع القوى السياسيّة يُسهم في الضغط على طرفيّ الصراع الدائر في البلاد بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أكثر من عام لإنهاء القتال؛ لكن التباينات الكبيرة بين القوى السياسيّة إزاء الصراع الدائر في البلاد تشكّل تحديا كبيرا سيواجه عمل التنسيقية.

وكانت (تقدم) قد اختتمت مؤتمرها التأسيسي الأول في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أمس، واختارت بالإجماع رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك رئيسا لهيئتها القياديّة، والأمين العام لحزب الأمة القومي الواثق البرير أمينا عاما لها؛ كما اختارت الهادي إدريس، عضو مجلس السيادة السابق، وممثل المهنيين طه عثمان إسحاق، نائبين للرئيس.

وأجازت التنسيقية رؤية سياسية لوقف الحرب وإعادة الإعمار، والهيكل التنظيمي، وقضايا الدعم الإنساني، وآليات إيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب، وعددا من القضايا الأخرى التي تهدف إلى وقف الحرب واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

وقال حمدوك في كلمته خلال الجلسة الختامية إن أبواب (تقدم) ستكون مفتوحة للراغبين في الالتحاق بها من القوى الرافضة للحرب والمدافعين عن الانتقال الديمقراطي؛ كما أعرب عن تفاؤله بقرب التوصل إلى سلام ووقف الحرب، التي أكد التزام التنسيقيّة بالعمل على إنهائها واستعادة الانتقال الديمقراطي ومدنية الدولة، بحسب وصفه.

اتهامات بالتحيّز ونفي

وتواجه تنسيقيّة (تقدّم) على الدوام اتهامات بالانحياز لقوات الدعم السريع؛ لكنّ رئيس التنسيقيّة نفى الانحياز لأي من طرفي الحرب، قائلا إنه "مهما حاول البعض وصمنا بالانحياز لطرف، فهذا غير صحيح".

واعتبر حمدوك أن (تقدّم) بذلت كل جهود ممكن لمنع الصراع المسلّح وواصلت المحاولات لوقفه "ولن تتوقف".

وأكد البيان الختامي للمؤتمر على الوقف الفوري غير المشروط لإطلاق النار؛ كما أدان ما وصفه بفشل طرفي الحرب في الجلوس على مائدة التفاوض وعرقلة توصيل المساعدات الإغاثية "واستخدام الغذاء كسلاح" على نحو هدّد أكثر من 25 مليون مواطن في البلد البالغ تعداد سكّانه 45 مليون نسمة بالجوع.

طالب البيان الختامي أيضا المجتمع الدولي بالضغط على طرفي الحرب لفتح المسارات الإنسانية؛ وأدان ما وصفها بالانتهاكات "الفظيعة" التي اتهم القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معهما على حد سواء بارتكابها، ودعا إلى الشروع الفوري في عقد مائدة مستديرة تضمّ كلّ السودانيين، باستثناء حزب المؤتمر الوطني المنحلّ وواجهاته.

ورحّب البيان بالمبادرة السعوديّة الأميركية ومنبر التفاوض في جدّة و مساعي وجهود الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكوميّة للتنمية (إيغاد) والجهود المصرية وجهود دول الجوار لصناعة السلام في السودان.

"اختراق كبير"

ووصف المحلل السياسيّ محمد الأسباط مؤتمر (تقدم) التأسيسي بأنه "اختراق كبير" لجمعه أكبر عدد من الفاعلين السياسيّين الداعمين لوقف الحرب والحلّ السلميّ للأزمة السودانيّة، ووضعه الأساس لبناء أكبر جبهة مدنيّة ديمقراطيّة تستطيع أن تحقّق أكبر تحالف مدني لدعم وقف الحرب.

وقال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) "صحيح أنّ هناك تيّارات مُهمّة شاركت كمراقب في المؤتمر، مثل الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وحزب المؤتمر الشعبيّ وبعض الشخصيات الوطنيّة المستقلّة؛ لكن تنسيقية (تقدّم) بحاجة إلى أن تنفتح حتى تستوعب تيّارات مهمّة".

وأشار على وجه الخصوص إلى الحزب الشيوعيّ السودانيّ، وحزب البعث العربي الاشتراكي "والقوى التي لم تلتحق بعد بالتنسيقية رغم موقفها الواضح والداعي إلى إنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي".

وأضاف "تحتاج (تقدّم) أيضا إلى التوسّع أكثر لتستوعب القوى التقليديّة، مثل الإدارات الأهليّة والطرق الصوفيّة، لأنّ لديها تأثير حقيقيّ على الأرض ويُمكن أن تساهم بشكل فاعل في وقف الحرب ورتق النسيج الاجتماعي بعدها ومحاربة خطاب الكراهية".

وأعتبر الأسباط أنّ المحصّلة النهائيّة من مؤتمر تقدّم أنه "يشكّل خطوة واسعة تجاه وقف الحرب وتشكيل أكبر جبهة مدنيّة" لتحقيق هذا الهدف؛ لكنّه قال إنّ ما زال أمام التنسيقيّة عمل كبير يجب أن تقوم به حتّى تنفتح نحو كل التيارات التي تدعوا إلى وقف تلك الحرب.

طريق ليست معبّدة

وكان الحزب الشيوعيّ السوداني قد اعتذر عن المشاركة في المؤتمر، وعزا ذلك إلى ما وصفه بالتباين الواسع بين رؤية الحزب وأطروحات (تقدم) المقدمة للمؤتمر ومآلاتها على مستقبل السودان ومصيره.

أيضا، اعتذر حزب البعث العربي الاشتراكي السوداني عن تلبية الدعوة التي تلقّاها من التنسيقية للمشاركة في مؤتمرها التأسيسي، لأنه ليس جزءا منها، بحسب الرسالة التي بعث بها إلى (تقدم).

ويرى القيادي في التيار الوطني نور الدين صلاح الدين أنّه كلّما كانت هناك مساحة لالتقاء القوى السياسيّة، فإن هذا سيسهم في تقليص عدد التكتلات السياسية على الساحة وبالتالي يُساعد على ابتدار النقاشات في المستقبل؛ وقال إن "أيّ جهد للقوى السياسيّة لمناقشة قضايا السودان مرحب به".

لكنّه اعتبر في حديثه لوكالة أنباء العالم العربي أنّ من بين المآخذ على تنسيقيّة (تقدّم) أنّها "عبارة عن تحالف الحريّة والتغيير بوجه جديد؛ فالعمود الرئيسيّ لهذه القوى هو المجلس المركزي للحرية والتغيير".

وأضاف "كان عوضا عن أن تجتمع القوى السياسيّة المتحالفة بالأصل، وبينها عديد من القواسم المشتركة على مستوى المواقف والرؤى، كان من الأفضل أن تمضي بالالتقاء بمن يخالفوها الرأي والوجهة السياسيّة، لأننا الآن في وضع أحوج ما نكون فيه إلى إحداث التوافق الوطنيّ بين كلّ القوى السياسية".

ويرى صلاح الدين أنّ "من الصعب أن تتمكن (تقدم) من توحيد القوى السياسيّة في البلاد بعد أن قطعت أشواطا بانتخاب هياكلها وتكوين مكاتبها التنفيذيّة بشكل نهائيّ، لأنها استبقت مجموعة كبيرة من الأحزاب باتخاذ خطوات والقيام بفعل سياسي غير متّفق عليه وربما يكون حوله عدد من المآخذ".

تحفّظات

من جهة أخرى، أشار صلاح الدين إلى "تحفظات كبيرة من الناحية الإجرائيّة والموضوعيّة على مذكّرة التفاهم التي وقّعتها (تقدّم) مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في يناير كانون الثاني الماضي في أديس أبابا، والتي تقضي بوقف الانتهاكات وإطلاق سراح الأسرى وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

واعتبر أنّ (تقدم) قد "انخرطت في تفاهمات ليس مرضيا عنها خارج نطاقها، بل وداخل أروقتها".

وأشار في هذا الصدد إلى الإعلانات التي وقّعها حمدوك في نيروبي مع قائدي حركة (جيش تحرير السودان) عبد الواحد محمد نور و(الحركة الشعبية لتحرير السودان) عبد العزيز الحلو، التي ذكر أنّها "تضمّنت مجموعة من المبادئ تقول إنه يجب على القوى التي ستنضم إلى المائدة المستديرة التي اقترحها الإعلان بأن توافق على جملة المبادئ التي ناقشت قضايا على درجة عالية من الأهمية".

كان حمدوك قد وقّع اتفاقين منفصلين في 15 مايو أيار مع الحلو ونور لإنهاء الحرب وتأسيس الدولة على أسس علمانية واستنادا إلى حق تقرير المصير. وقال صلاح الدين "في تقديري هذه المبادئ يجب أن تطرح في المائدة المستديرة أو المؤتمر الدستوري أو أي عملية سياسية مقترحة لحل الأزمة".

ويرى القيادي في التيار الوطني أن المبادئ المتفق عليها قد أثارت حفيظة بعض القوى داخل (تقدم) نفسها "بينها أحزاب الأمة القومي والتجمع الاتحادي، اللذان انتقدا الخطوة، وتحفّظا عليها؛ كما صمت حزب المؤتمر السوداني عن التعليق على الخطوة، بما يعتبر تحفظا لم يتم التعبير عنه بشكل واضح، وهذه من أهم الأحزاب في تحالف تقدم".

وقال "المطلوب الآن ليس البحث عن جمع القوى السياسية تحت لواء جبهة واحدة، وإنما جلوس كل الفرقاء مع بعضهم البعض في سبيل البحث عن حل للأزمة السودانيّة؛ وهذا لن يتأتّى إلا بجلوس المختلفين عن بعضهم البعض في الموقف السياسي وبشأن قضية الحرب نفسها".

وتابع "إذا كانت هناك خطوة يجب أن تقوم بها (تقدم) فهي الانفتاح نحو كل الطيف السياسي، بغضّ النظر عن تطابق رؤيتها مع رؤى القوى السياسية الأخرى".