المدح.. فنّ شعبيّ تراثيّ ما زال يلقى رواجا في موريتانيا
المصدر: AWP - فنانان يؤديان مدحة أمام الجمهور في مهرجان ليالي المدح في العاصمة الموريتانية نواكشوط. الجمعة، 29 مارس آذار 2024
  • نواكشوط

  • الأربعاء، ٣ أبريل ٢٠٢٤ في ١٠:١٥:٥٦ ص
    آخر تحديث : الأربعاء، ٣ أبريل ٢٠٢٤ في ١٠:١٥ ص

المدح.. فنّ شعبيّ تراثيّ ما زال يلقى رواجا في موريتانيا

(وكالة أنباء العالم العربي) - حين وقف المدّاح الموريتاني الداه ولد برور على المنصّة الرئيسة، ساد صمت بين الحضور، لم يكسره سوى عزف إسلم ولد زيد على آلة الناي المعروفة محليا باسم "النيفارة"، والذي ما لبث أن امتزج بأداء ولد برور وصلة مدح في صفات الرسول الكريم محمّد.

بصوت جهوري، ألقى الداه أبياتا من الشعر العاميّ على إيقاع الطبول وتصفيق فرقته، التي كانت ترتدي الزي التقليدي الموريتاني.

أعاد المشهد الفنانَ إلى ذكريات من أيام كان يحضر فيها سمرا ليليا يحييه والده بالمدح في ليالي مدينة أطار، عاصمة ولاية آدرار الموريتانية الواقعة على الحدود الشمالية على بعد نحو 435 كيلومترا عن العاصمة نواكشوط.

ينتمي الداه إلى عائلة عريقة لها باع طويل في فنّ المدح الذي اشتهرت به؛ وكان مجدّدا في المدح وعلّمه لعشرات من الموريتانيين الذين يتصدّرون اليوم فن المدح الشعبي.

الداه، الذي نشأ في بيت يتنفّس المدح ويتذوّقه، قال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) "لقد علّمني والدي أنّ البحث عن السعادة يوجد في المدح... المدح بالنسبة لي ليس مجرّد كلمات تُنطق، بل هو لحن الحياة الذي أستمتع به بكل وجداني. أجد نفسي وأجد السعادة حين أبدأ المدح".

* إنشاد العدالة الاجتماعية

يشارك الداه في ليالي المدح التي انطلقت مساء السبت الماضي وتستمر فعالياتها لخمسة أيام. وتعد هذه الليالي من أهمّ المهرجانات التراثية في موريتانيا، وتنظّم في كل شهر رمضان بهدف إحياء تراث فنّ المدح الذي ارتبط بشريحة من الرقيق السابقين وكان وسيلتهم في القرون الماضية لإنشاد العدالة الاجتماعية.

كان أبناء شريحة الحراطين تلك يفرّون من واقعهم المرير مع الاستعباد إلى إنشاد شعر بالعامية يذكرون فيه خصال الرسول ورسالته التي تحثّ على العدل والتعايش المشترك. وقد نشأ معظم أبناء هذه الشريحة في منطقة الساحل وجنوب الصحراء في غرب أفريقيا، وتبنوا الإسلام تحت حكم المغاربة.

2b5f3069-3c5b-4aa8-a1c4-d0ec9015db12.jpg

المصدر:AWP - نساء يصفّقن ويتفاعلن مع المدّاحين ويرردن المدح خلال مهرجان ليالي المدح في العاصمة الموريتانيّة نواكشوط. الجمعة، 29 مارس آذار 2024

وتحكي المرويات الشعبية أن المديح ولد من رحم معاناة الرقيق في موريتانيا، إذ كانوا في الليالي الطويلة ينشدون مدائحهم الشعبية بعد يوم من الكد والكفاح في العمل.

وقال اعمر ولد ياتم، نائب رئيس (مركز ترانيم للفنون الشعبية)، إنّ فن المديح نشأ مع شريحة الحراطين التي كانت تترنّم وتتعبّد به كوسيلة للتعبير عن مشاعرها وتجاربها، مشيرا إلى أنه كان له دور كبير في تعزيز الهويّة الثقافية للرقيق السابقين.

أضاف في حديث لوكالة أنباء العالم العربي "كان فن المديح وسيلة لهم للتعبير عن معاناتهم وأحلامهم؛ وكان يمثّل نافذتهم على العالم الخارجي".

ويتميّز فن المديح بقدرته على إيصال رسائل دينيّة واجتماعيّة مهمّة، إذ يسلّط الضوء على السيرة النبوية والقيم الإسلامية؛ ويعبّر هذا الفن عن تجارب الحياة والمشاعر الإنسانية بطريقة فنيّة مميزة، ما يجعله لا غنى عنه في المناسبات الدينية والاجتماعية في موريتانيا.

* كتابة نصوص المديح

وقال المدّاح الداه إن نصوص فن المديح التي يؤدّيها يكتبها بالعاميّة القادرة على توجيه الرسالة للجمهور بشكل أفضل، حيث تكون مفهومة وسهلة التلقّي والاستيعاب.

من جانبه، أوضح محمد ولد سيدي، نائب (مركز ترانيم للفنون الشعبية)، أنّ كتابة نصوص المديح بالعاميّة لم تكن عشوائيّة، بل جاءت نتيجة للظروف التي نشأ فيها حينما كانت نسبة الأميّة مرتفعة وكان من الصعب تعليم الناس باللغة العربية الفصحى.

7c486a89-9c05-4628-8008-e6ff5a318744.jpg

المصدر: AWP - عازف يعزف على آلة الناي وإلى يمينه عضو من فرقة المدح يقرع الطبل في مهرجان ليالي المدح في العاصمة الموريتانية نواكشوط. الجمعة، 29 مارس آذار 2024

لذلك، فبحسب رأيه كانت العامية الوسيلة الأسهل والأكثر فاعليّة لنقل المعارف والقيم، خاصة تعاليم وسيرة الرسول محمد، للأجيال القادمة.

وقال ولد سيدي في حديث لوكالة أنباء العالم العربي إنّ "استمرار كتابة النصوص بالعاميّة حتى اليوم يعكس عمق الروابط بين هذا الفنّ والثقافة الشعبيّة، ويحمل رسالة تؤكّد أهميّة المحافظة على التراث الشعبي ونقله إلى الأجيال القادمة".

ويعدّ مهرجان ليالي المديح فرصة للجمهور في نواكشوط لمتابعة عروض من هذا الفن، يؤديها مداحون يملكون خبرة طويلة في ممارسة هذا الفن الشعبي.

* إحياء لفنّ شعبي

وقال المدّاح الداه إنّ مهرجان ليالي المدح جاء في وقت كان هذا الفن يواجه فيه خطر الاندثار في ظل تراجع الاهتمام به وعزوف الأجيال عن ممارسته وتعلّمه، ولذلك كان لا بد من الاعتناء به.

أضاف أنّه بعد 11 عاما من تنظيم هذا المهرجان، استطاع (مركز ترانيم)، الجهة المنظّمة، تقديم فنانّين شباب يتقنون هذا الفن وتأطيرهم.

13f21c35-a0ef-452a-823d-af5c729517f2.jpg

المصدر: AWP - عضو من فرقة المدح يقرع الطبول في مهرجان ليالي المدح في العاصمة الموريتانية نواكشوط. الجمعة، 29 مارس آذار 2024

ويسعى المركز إلى إحياء التراث الفنيّ الشعبيّ المرتبط بشريحة الحرّاطين، ومن بينها فنّ المديح؛ لذلك، فقد أطلق مشروع (صوت تسلم) بهدف جذب الفتيات غير المتعلّمات إلى هذا الفن.

وقال رئيس المركز محمد عالي ولد بلال إنّ المشروع يهدف إلى جمع 30 فتاة لم يتعلّمن على مدى تسعة أشهر للتدرب على المدح وصقل مواهبهن في هذا الفن؛ ووصف في حديث لوكالة أنباء العالم العربي هذا المشروع بأنّه رسالة إنسانيّة وثقافيّة تهدف إلى إعادة إحياء هذا الفن الشعبي القيّم وتمكين الفتيات من التعبير عن أنفسهنّ بشكل فنيّ وإبداعي.

أضاف "نحفّز الفتيات على تطوير مهاراتهن وتعزيز ثقتهن بأنفسهن؛ ونأمل أن يُسهم هذا المشروع في بناء جيل جديد من فنّانات المديح اللاتي يستطعن تحمّل راية هذا الفن العريق ونقله إلى المستقبل بكل فخر واعتزاز".