تقارير وتحقيقات

"بوجلود".. احتفال شعبي مغربي قديم يُحتفل به باستخدام جلود أضاحي العيد بطرق كرنفالية تبعث على المرح والرعب أيضا. في احتفال بوجلود الذي عادة ما تشهده منطقة سوس وسط المغرب وبعض المناطق الأخرى والذي يُطلق عليه أيضا اسم "بيلماون"، يرتدي المشاركون جلود الأضاحي ويغطون أجسادهم بها، مع وضع أقنعة وأحيانا قرون، مع تزيين الجلود بأشكال مختلفة وألوان زاهية. ويتجول المحتفلون في الأحياء مطلقين الأغاني والأهازيج الشعبية، يمازحون الحضور وهم يحركون الجلود والأقنعة بطريقة مرحة ومخيفة في نفس الوقت. وتعود جذور هذا الطقس إلى عصور قديمة، وقد تكون له أبعاد دينية أو اجتماعية مثل الاحتفال بالحصاد. وفي العصر الحديث يُعتبر مناسبة للفرح والترفيه وتعزيز الأواصر الاجتماعية. كان الاحتفال بهذا الطقس واسع النطاق في الماضي، إلا أن بعض المناطق تخلت عنه شيئا فشيئا أو قللت من مظاهره، بينما تحاول مناطق أخرى الحفاظ عليه وإحياءه كجزء من الموروث الثقافي المحلي. ويُعرّف رشيد آيت مبارك، وهو عضو بارز في هيئة (شباب تامسنا الأمازيغي)، كلمة "بوجلود" بأنها ترجمة حرفية للكلمة الأمازيغية "بيلماون" والتي تعني صاحب الجلود. ويُرجع باحثون أصل احتفال بوجلود إلى عهد حكم الرومان بشمال أفريقيا، ويقول آيت مبارك إن الاحتفال كان يُطلق عليه آنذاك "ديونيسيس"، وكان يمر فيه موكب يضم ممثلين يرتدون أقنعة بصحبة أطفال وينشدون أناشيد دينية. #### أشكال تنكرية يقول آيت مبارك لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إن هذا الاحتفال تحول مع مرور الزمان إلى عادة مرتبطة بعيد الأضحى، حيث ترتدي مجموعة من الشباب جلود الأضاحي التي ذُبحت يوم العيد، خاصة جلود الماعز، ويرقصون على وقع أنغام أحواش الأمازيغية، ثم يبدأ هذا الاحتفال مساء يوم العيد ويتواصل خلال اليومين التاليين. ويضيف "بيلماون عادة تراثية محلية انطلقت من قرى سوس نحو المدن الكبرى، وتميز بها أبناء المنطقة عبر الأجيال فأبدعوا في هذه التظاهرات الاحتفالية بعيد الأضحى المبارك، إذ ابتكروا أشكالا تنكرية متناسقة مع رقصات وغناء الفن الكناوي المغربي والنغمات الأمازيغية. وتُعتبر احتفالات بوجلود بمحافظة سوس فرصة للإبداع والحفاظ على التراث الأمازيغي المحلي المتوارث عبر الأجيال، كما أنها فرصة لتلاقي كل أبناء المنطقة والزوار من باقي المدن المغربية. وتشمل تحضيرات طقوس الاحتفال عند أمازيغ المغرب عدة خطوات وتجهيزات تبدأ بعد ذبح الأضاحي مباشرة، حيث يتم تجميع جلودها واختيار الجلود بعناية بحيث يمكن استخدامها كأزياء. وتُنظف الجلود جيدا وتُجفف، ثم تُزيَّن وتُلَّون بأشكال وألوان تقليدية، وتُستخدم فيها أحيانا الصباغة الطبيعية المستخرجة من النباتات المحلية، وتُخاط مع بعضها بعضا لتشكيل أزياء تغطي الجسم بالكامل، وتُضاف إليها أقنعة مصنوعة من نفس الجلود أو من مواد أخرى مثل القش أو الأقمشة القديمة لتشكيل وجوه مرعبة ومضحكة في نفس الوقت. وتُستخدم في الاحتفال أدوات موسيقية تقليدية مثل الطبول والدفوف والمزامير، بينما يُعّد العازفون أنفسهم للتجول مع المحتفلين وإضفاء جو من المرح وعزف الموسيقى الشعبية، في حين يتدرب المشاركون على الأهازيج والرقصات الشعبية التي سيؤدونها خلال الطقوس، مع الحرص على التناغم في الأداء لتقديم عرض ممتع. ويتم التخطيط لمسار المسيرات التي ستجوب الأحياء، وتحدَّد نقاط التجمع والانطلاق، وقد يُرافق المسيرات أشخاص يحملون المشاعل أو الفوانيس لإضاءة الطريق. ويُبَلّغ سكان المناطق المحلية بمواعيد الاحتفالات والمسارات المخطط لها، وتُوجَّه الدعوة للأهالي لمشاهدة الفعاليات والمشاركة فيها. #### ما بين مؤيد ومعارض تثير احتفالات بوجلود، والتي تنظَّم مثيلات لها في عدد من قرى المغرب ومدنه لا سيما سوس، ردود فعل متباينة بين معارض لها ومدافع عن استمرارها. ويقول عادل أداسكو، الناشط الأمازيغي والعضو بهيئة شباب تامسنا، إن موقف الرافضين لاحتفالية "بوجلود" أو "بيلماون" نابع من اعتبار البعض أنها تقوم على طقوس وثنية، وأنها تشوبها ممارساتها تتعارض مع الدين الإسلامي مثل تشبُّه الذكور بالإناث والاعتقاد بأن الضرب بقوائم الأضاحي يجلب الشفاء. ويدافع أداسكو عن الاحتفالية ويقول إنها "بريئة من التهم التي يلصقها بها معارضوها، فهي احتفالية تبتغي الحفاظ على موروث ثقافي عريق". واعتبر أن التظاهرة بمثابة كرنفال يعكس الخصوصية المحلية لأبناء سوس والهدف منه الحفاظ على هذا التراث الأمازيغي والتعريف به كموروث ثقافي أصيل، والعمل على تصنيفه تراثا للإنسانية "باعتباره كنزا تاريخيا توارثته الأجيال منذ زمن بعيد". ودعا المسؤولين بوزارة الثقافة المغربية للحفاظ على هذا التراث وتطويره "لخلق دينامية اقتصادية واجتماعية وسياحية وثقافية على المستوى الإقليمي والجهوي والوطني، بالاعتماد على التكوين المستمر للرفع من القدرات والكفاءات التدبيرية لتنظيم تظاهرات ذات أهداف محددة وخلق آليات إيجابية لتدعيم التواصل بين مختلف الفعاليات الجمعوية لتثمين التراث محليا ووطنيا ودوليا". وقال إنه بالرغم من الانتقادات لهذه الاحتفالية التي تحتضنها مدينتا الدشيرة وأغادير فإنها اكتسبت صيتا واسع، مضيفا أن أبناء سوس "ماضون في تنفيذ مشروعهم الرامي إلى جعل هذه التظاهرة منطلقا لتحويل المدينتين إلى عاصمتي الثقافة الأمازيغية بالمغرب". #### الإسهام السياحي ويرى أداسكو أنه يمكن الاستفادة سياحيا من احتفالية بوجلود ويقول "إذا كان العرض السياحي الذي تقدمه مدن سوس يقوم أساسا على الشمس والبحر والتراث القديم وفن أحواش والمآثر التاريخية، فإن تخليد تظاهرات بوجلود سيؤدي إلى تنويع العرض السياحي بسوس، وذلك من خلال الاشتغال على السياحة الثقافية واستغلال الخصوصية المحلية كأداة لاستقطاب السياح". وأضاف "الهدف اليوم هو تحويل مدن وقرى سوس إلى وجهات سياحية على غرار مدينتي مراكش والصويرة اللتين ذاع صيتهما عالميا بفضل التظاهرات والمهرجانات الكبرى التي تُنظَّم بهما". وتابع قائلا "إذا نجح هذا المشروع فإنه سيساهم لا محالة في تغيير عقلية كثير من الشباب، وسيجعلهم ينخرطون في تقديم منتج سياحي ثقافي، وبالتالي إبعادهم عن طريق الانحراف، مع التشبث بالهوية الأمازيغية الأصيلة والتشبع بالثقافة الإنسانية". وتحمل طقوس بوجلود في طياتها رمزية الاحتفاء بالبركة والخصوبة التي تأتي بعد عيد الأضحى، حيث يُعتقد أن ارتداء جلود الأضاحي وإطلاق أجواء البهجة في المجتمع يجلبان الحظ والرخاء. ويعزز كل من عيد الأضحى واحتفالات بوجلود الشعور بروح الجماعة والتلاحم الاجتماعي؛ ففي عيد الأضحى يتجمع الأهل والأصدقاء للاحتفال وتوزيع اللحوم على المحتاجين، بينما تُعد طقوس بوجلود مناسبة اجتماعية يتجمع فيها الناس من مختلف الأعمار والفئات للاحتفال معا، مما يعزز الروابط الاجتماعية.
حتّى صباح السابع من أكتوبر تشرين الأول الماضي، لم تكن الصبية الفلسطينية دانا القدرة تتصور أبدا أنّ شيئا سيحول دون أولى خطواتها نحو تحقيق حلم البطولة في اللعبة التي تصفها بأنها "لعبة الذكاء الأولى" في العالم. كانت دانا (13 عاما) في ذلك اليوم على موعد مع المسابقة "الأقوى" التي انتظرتها كثيرا، وهي مسابقة الشطرنج على مستوى مدارس المنطقة، التي اعتبرتها فرصة جديدة لمنافسة لاعبين أقوياء من أبناء جيلها واستعراض قدراتها في تحريك البيادق على رقعتها حتىّ تحقيق الفوز بعد أن تدربت كثيرا على هذه اللعبة. لم تستطع الصبية النوم في تلك الليلة إلا قليلا؛ فلطالما حلمت أن تكون لاعبة شطرنج محترفة ذات صيت واسع لها من الجوائز العالمية نصيب مشرّف ترفع به اسم وطنها في عالم الاحتراف كسبيل لأداء واجبها تجاه ذلك الوطن، بحسب وصفها. لكنّ الحلم الجميل انتهى وبدأ همٌ ثقيل حينما استيقظت على صوت إطلاق مئات القذائف الصاروخية تجاه قطاع غزّة؛ وبدلا من أن تستقلّ حافلة المدرسة التي كانت ستأخذها إلى حلمها، استقلّت حافلة النزوح إلى مكان يُعتقد أنّه أكثر أمانا من منطقتهم المهددة بالقصف. حال النزوح بين دانا وحلمها، وحرمها أيضا من رقعة الشطرنج وبيادقها التي رافقتها طويلا أثناء رحلة الإعداد لتلك المسابقة؛ لكنها أخيرا تمكّنت من استعادة تلك الرقعة من بيتها المدمّر. تقول دانا "عندما عادت أمي بها، شعرت أنّ روحي قد عادت إلى جسدي؛ ركضّت إليها واحتضنتها بين يديّ. في البداية، لم أجد من يشاطرني اللعب سوى أمّي؛ لكن الآن، بعد أن درّبت معظم أصدقائي عليها، أصبح لدي العديد من شركاء اللعب الأقوياء". #### بداية الرحلة تروي الصبية الصغيرة قصّتها مع الشطرنج، والتي بدأت عند عودة والدها ذات يوم حاملا لعبة لم تكن تعرفها. كان حماسها فاترا في بداية الأمر، ظنّا منها أنها مجرد مجسمات صغيرة لا فائدة منها؛ غير أنها أصبحت مولعة بهذه اللعبة بعد أن ألهمتها قصّة أمّها لاعبة الشطرنج السابقة. في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP)، قالت دانا "حين رأيت الرقعة لأول مرة، أصدرت تعبيرا ساخرا؛ فقد اعتقدت للوهلة الأولى أنّها مجرّد لعبة تافهة للصغار؛ إلا أنّ أمّي أخبرتني أنها لعبة الذكاء الأولى حول العالم، قبل أن تسرد لي قصتها مع الشطرنج وحصولها على المركز الثاني في إحدى المسابقات المحليّة الكبرى". أضافت "عدّدت أمّي أهمّ الشخصيات العالميّة التّي اشتهرت بلعب الشطرنج، فدفعني الحماس لتعلّم هذه اللعبة المعقّدة حسب ظني الأول، وقفزت رغبتي في صنع مجد يُضاهي مجد أمّي أو أكبر منه وإن طال عنان السماء... كانت أولى الخطوات هي تعلم الأساسيات ونقلات البيادق". وتابعت "بذلت أمي في تلك الفترة جهدا مضنيا حتى حفظتها وبدأت رحلة إجادتي للعب الشطرنج. لم أكن اللاعبة الأكثر مهارة في العالم، ولكنّي كنت أهزم لاعبين متمرّسين ويفوقون عمري أضعافا". بدأت دانا بعد ذلك مرحلة جديدة من حياتها مع الشطرنج، حيث أخذت تبحث عن المؤسّسات والأماكن التي تُنظّم أنشطة خاصة باللعبة وسعت للمشاركة في أيّ مسابقة أو جولة وديّة تفتح أمامها فرصة للمنافسة. وفي كل مرة، كان الحلم يكبر شيئا فشيئا ويقترب أكثر. وكان الدافع الأكبر لدى دانا للمشاركة في هذه الأنشطة بحسب وصفها هو البحث عن لاعبين أكثر مهارة من أجل اكتساب مزيد من الخبرة وتحسين مستواها في اللعب وصولا إلى مستوى الاحتراف المطلوب، حتّى تُنافس في البطولات الرسمية. #### صدمة الحرب كانت حرب غزّة أول اصطدام لها بالواقع؛ وبنبرة أسى، قالت دانا "كانت المسابقة الأقوى التي لطالما انتظرتها هي مسابقة الشطرنج على مستوى مدارس المنطقة؛ كنت أرى فيها فرصة جديدة لمنافسة لاعبين أقوياء من نفس الجيل وقياسا حقيقيا لقدراتي في اللعبة". أضافت "لا أنكر توتّري وقتها وسيطرة شيء من الخوف على جوارحي، مع بعض الخيالات السلبية بفرصة الفشل وعدم الفوز أو تحقيق مركز متقدّم على الأقل؛ لكنّي حافظت على رباطة الجأش وشحذ الهمّة باستذكار لحظات التفوّق على اللاعبين الأمهر في عائلتي وبين أصدقائي، ولذلك جهزت كلّ شيء للمسابقة". وتابعت "لم أستطع النوم في تلك الليلة، فكيف ينام من سيخطو في الصباح أولى خطواته الحقيقية على طريق تحقيق حلمه؟" كانت دانا قد ضبطت ساعة المنبّه لتتأكد تماما من أنها ستستيقظ في موعدها؛ لكن لم تكن تلك الساعة هي ما أيقظها، وإنما شرارة الحرب التي أنستها أيضا رقعة الشطرنج داخل البيت؛ فقد كانت الأحداث متسارعة والمشهد عظيم، وكان عليهم إخلاء البيت قبل أن يُسوّى بالأرض. وتصف الفتاة تجربة النزوح وتقاطعها مع حلمها باحتراف الشطرنج بأنّها الأكثر مرارة وقسوة؛ فقد اضطرت وعائلتها إلى النزوح أربع مرات في أماكن مختلفة قبل أن تستقر في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزّة؛ وفقدت في رحلة النزوح تلك معظم أسباب الرفاه والسلام النفسي للطفل. ![4e0ff3e7-d392-461e-8fcf-19e5a7a897eb.jpeg](https://dx6nmerofdgzj.cloudfront.net/prod/4e0ff3e7_d392_461e_8fcf_19e5a7a897eb_9821614852.jpeg) **الصبيّة الفلسطينيّة دانا القدرة (يسار الصورة) مع صديقاتها أثناء لعب الشطرنج على رقعتها التي استعادتها من تحت ركام منزلها المدمر. خان يونس** #### العثور على الرقعة تصف صابرين القدرة حال ابنتها دانا في تلك الفترة قائلة إنّها "كانت تشرد بفكرها معظم الوقت، ولا تمارس أيّ نشاط تقريبا وكأنها جسد بلا روح، ونادرا ما تستجيب لمحاولة أقرانها وصديقاتها جذبها لمشاطرتهم ألعابهم؛ وقد عرفت أنّ دواءها يكمن في رقعة الشطرنج، وتحديدا تلك التّي بقيت في البيت المدمّر". لذلك، فقد عقدت الأم العزم على العودة في أقرب فرصة إلى البيت والبحث عن تلك الرقعة "علّها تكون قميص يوسف الذي يُعيد لروحها البصر". وقالت "حين انسحبت قوات جيش الاحتلال من منطقتنا الأصليّة في القرارة، كنت من أوائل الناس الذين تشجّعوا على العودة وتفقّد بيوتهم؛ كنّا نعلم مبكّرا بدمار البيت، إلا أنّ شيئا واحدا فقط كان نُصب عيني، رقعة الشطرنج". أضافت "طفت حول ركام البيت أبحث عن أثر؛ وكهدية من القدر، لمحت طرفها بين كومة من الملابس والأحجار الصغيرة، فحملتها كمن يحمل طفلا ناجيا وأخذت معي بعض الأشياء الأخرى من بقايا بيتي الجميل، ورجعت بالبُشرى". استقبلت دانا لعبتها المفضّلة كمن يستقبل عزيزا كان غائبا؛ صرفت اللحظات الأولى في تأمّل الرقعة ومحاولة تفحّصها للتأكّد من خلوّها من أيّ أذى أو نقص في البيادق، قبل أن تطلب من أمها مشاركتها جولة لعب سريعة لتستكمل منافسة من تعلّم من أخوتها أساسيات الشطرنج، تقول السيدة. لكن الطفلة واجهة مشكلة ندرة المنافسين، وضعف مستوى من يعرفون اللعبة؛ فمعظم أقرانها لم يجرّبوا لعبة الشطرنح ولو لمرة واحدة أو حتّى يتعرفوا على أساسياتها. هذا الموقف جعل الصبيّة تخرج بفكرة تُعيد لها حماسها للعب من جديد. أخذت دانا على عاتقها زمام المبادرة للتعريف بالشطرنج وتعليم الأصدقاء من الأهل والجيران، حتى أصبح لديها اليوم مجموعة كبيرة من شركاء اللعب الأقوياء، وأصبح طابور الانتظار للعب أمام رقعتها "أطول من طابور تعبئة المياه" بحسب وصفها.
في سوق الماشية بالعاصمة الموريتانيّة نواكشوط، يسود هدوء غير معتاد لا يكسر رتابته من حين لآخر سوى صوت ثغاء الأضاحي المعروضة للبيع. يجلس التجار تحت ظلّ عريش لاحتساء االشاي، ويعبّرون عن استيائهم من استمرار ضعف الإقبال قبل أيام قليلة من حلول عيد الأضحى؛ لكن خشيتهم الأكبر من أن يتعرض أحدهم للسرقة في ظل انعدام الأمن في السوق. التاجر خين ولد بيدّ قال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إن "الوضع سيء جدا هذا العام؛ لم أبع سوى أضحيتين في اليومين الأخيرين، ولا أفهم لماذا هذا الضعف في الإقبال". أما زميله امبارك ولد الحسن، فقال "بالكاد يطرق بابنا أحد؛ الناس لا يشترون الأضاحي كما كانوا يفعلون في السنوات الماضية... لم يسبق أن رأيت مثل هذا الوضع". #### فقدان الأمن وقبل أيّام قليلة من عيد الأضحى، يعيش تجار أسواق الماشية في نواكشوط مخاوف أمنية متزايدة بعد تعرّضهم لعمليات سرقة من قبل عصابات تستهدف عادة هذه الأسواق في مثل هذه الأيام. يقول تاجر يُدعى الحاج إنه تعرّض للسرقة مرتين في الأسابيع الأخيرة، وهو أمر يرى أنه لا يمكن أن يستمر ويطالب بوضع حدّ له. حوادث السرقة المتكررة هذه، جعلت بعض التجار يؤثرون المبيت في السوق لحراسة ماشيتهم؛ ومن بين هؤلاء محمد الأمين اخيار، الذي قال إنه لا يستطيع المخاطرة بفقد مصدر رزقه على الرغم من ضعف حركة البيع هذا العام. أمّا التاجر أزيد بيه، الذي عبر هو الآخر عن قلقه، فقال إن "غياب الأمن يزيد من توتّرنا ويجعلنا نشعر بأننا مستهدفون؛ نحن بحاجة ماسة إلى تدخّل السلطات لتوفير الحماية وضمان سلامة مواشينا وأعمالنا". ![49637b73-6b02-4e4c-9b33-c5bb1717390b.jpg](https://dx6nmerofdgzj.cloudfront.net/prod/49637b73_6b02_4e4c_9b33_c5bb1717390b_4a15536ab8.jpg) **كثير من التجار والأضاحي المعروضة في سوق الماشية بالعاصمة الموريتانية نواكشوط وقليل من المشترين** #### إقبال هزيل يخشى التاجر خين ولد بيدّ أن ضعف الإقبال على شراء الأضاحي هذا العام سيؤدّي إلى خسائر كبيرة له ولزملائه من تجّار الماشية، حيث يصف عيد الأضحى بأنّه الفرصة الذهبيّة التي يعتمد عليها التجار لتعويض تكاليف العام وتحقيق أرباح تضمن استمرارية عملهم. وقال "إذا استمر هذا الوضع، سنواجه صعوبات كبيرة في تغطية نفقاتنا؛ وقد نفكر في تقليص حجم أعمالنا أو حتى إغلاقها... نأمل أن يتغيّر الوضع في الأيّام القليلة المقبلة، حتّى نتمكّن من تلبية احتياجات الزبائن وتحقيق استقرار مالي لتجارتنا". ويعدّ شراء خروف العيد من التقاليد الموريتانيّة الأصيلة، ولا يرتبط لدى الموريتانيين بعيد الأضحى فقط وإنما يكون في عيد الفطر أيضا، حيث تُعتبر أسعار الخراف هناك منخفضة نسبيّا مقارنة بباقي الدول العربية. وتتراوح أسعار الأضاحي في موريتانيا هذا العام بين 50-70 ألف أوقية موريتانية قديمة (حوالي 127-178 دولارا أميركيا) للخراف الحيّة؛ لكن الأسعار في موسم الأعياد عادة ما تكون مرتفعة ثم تعاود الانخفاص لتصل إلى 40-45 أوقية للخراف و60-75 أوقية للكباش. الموريتانية نسيبه عبد الرحمن، التي تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، قالت بدورها إنها ستسعى إلى الاستدانة لشراء الأضحية بعد أن تأجل صرف راتبها إلى نهاية هذا الشهر، بحسب وصفها. لكنها ما زالت تخشى أن تأخر صرف الراتب سيؤثر على قدرتها على شراء احتياجات العيد الأخرى في هذه الفترة التي تتضاعف فيها النفقات. (الدولار الأميركي يُساوي 394.2 أوقيّة موريتانيّة قديمة تقريبا)
لم يكن أمام النازح اليمنيّ جمال الحنش من سبيل لكسب الرزق سوى تلك الأسلحة الكرتونية التي يصنعها بنفسه ليبيعها في أسواق اليمن؛ فهذا المنتج بالتحديد يلقى رواجا بين الأطفال، خاصة خلال مواسم الأعياد، في بلدٍ يعيش حربا أوشكت على إتمام عقدها العاشر. كان الحنش قد وجد نفسه عاطلا عن العمل ولم يتمكّن من تحصيل أيّ وظيفة تلبّي احتياجات أسرته بعد نشوب تلك الحرب بين القوّات الحكوميّة وجماعة الحوثي المسلّحة. ومع دخول شهر رمضان قبل نحو أربع سنوات، طلب منه أحد أطفاله لُعبة تُشبه تلك التي كانت بحوزة أحد أطفال حيّه في محافظة إب جنوب غرب اليمن، الخاضعة حاليا لسيطرة جماعة الحوثي المسلّحة؛ كانت تلك اللعبة عبارة عن بندقيّة آليّة بلاستيكية تُطلق رصاصات لاصقة. وقال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) "كنت لا أملك قيمة تلك اللعبة البالغة سبعة آلاف ريال يمني (حوالي أربعة دولارات أميركية بالسعر الحالي للعملة) فقرّرت أن أصنع له مثل تلك اللعبة من الكرتون، ونجحت بعد ساعات من العمل وتجميع المخلفات الكرتونية". دفعت تلك التجربةُ الحنش إلى صناعة ثلاث ألعاب مشابِهة، باعها في الحيّ الذي كان يعيش فيه بمبلغ جيّد؛ بعد ذلك، طوّر أعماله التشكيليّة من خلال استخدام الكرتون والخشب والحديد حتّى تُحاكي بشكل دقيق بنادق الكلاشنيكوف من النوع الذي يرغبه اليمنيّ غالبا. ![1b45090a-757b-4311-a1b1-40347896c789.jpg](https://dx6nmerofdgzj.cloudfront.net/prod/1b45090a_757b_4311_a1b1_40347896c789_e3688bdd6c.jpg) **اليمنيّ جمال الحنش وهو يعرض ألعابه الحربيّة المصنوعة بيده في أحد شوارع مدينة مأرب وسط اليمن** #### كلاشنيكوف محليّ للأطفال في مرحلة سابقة لنزوحه، كان الحنش قد طوّر حرفته في صناعة الكلاشنيكوف الكرتونيّة واشتهر في معظم مناطق البلاد، حيث كان يصنع كميّات كبيرة في منزله ويبيعها بالجملة لتجّار يبيعونها بدورهم في أسواق المحافظات اليمنيّة وشوارعها. وبعد نزوحه من إب إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليّا، عاد الحنش لممارسة حرفته المفضّلة في صناعة الأسلحة الكرتونيّة وبيعها في شوارع المدينة. تبلغ قيمة القطعة الواحدة ثلاثة آلاف ريال يمني، فيما تكلفه صناعتها نحو 700 ريال، قيمة الخامات. وفي مواسم الأعياد، تزدهر تجارته ويبيع كميّات كبيرة، لكنها تنحسر قليلا في باقي أيّام السنة. ويرى عمار الهلالي، الذي يعمل في تجارة ألعاب الأطفال المستوردة، أن ارتفاع أسعار ألعاب مثل السيارات اللاسلكيّة والألعاب الكهربائية في ظل غياب بدائل متعددة للأطفال يدفعهم لشراء الألعاب المتاحة، والتي يكون أغلبها ألعاب حرب تشمل أسلحة مختلفة، مثل البنادق الرشّاشة والمسدسات والقنابل، إضافة إلى نماذج مصغّرة لدبّابات وطائرات حربيّة. وقال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي "يندفع إليها الأطفال بكثرة، ويُقبل بها الآباء، كونها أقلّ تكلفة من غيرها من الألعاب... السوق هي التي تفرض نوع السلع التي يستوردها التجار أيّا كانت. الطلب المتزايد على سلعة معينة هو ما يجعل التاجر يستوردها ويوفّرها، بينما يتخلى عن السلع التي لم تجد إقبالا، لتستمرّ تجارته وتنمو". أضاف "ألعاب الحرب في اليمن كلّها هي الألعاب المطلوبة، فيما الألعاب الأخرى تشهد إقبالا ضعيفا جدّا، مثل ألعاب التعليم أو الألعاب الأخرى، وذلك بسبب عدم معرفة الأطفال بطرق استخدامها أحيانا، وكذا بسبب ارتفاع أسعارها مقارنة بأسعار ألعاب الحرب". ويرى الهلالي أنّ تنظيم الاستيراد ومراقبة السوق في اليمن لإبعاد الاطفال عن استخدام أدوات الحرب "أمر يحتاج إلى دولة بقراراتها... وتحديد قوائم بسلع الاستيراد، وذلك بالتوازي مع رفع أساليب التعليم ودمج الألعاب في التعليم حتى يتعلّم الطفل كيف يلعب تلك اللعبة ببساطة". #### "تطبيع مع العنف" نظرة العمري، الأخصائية الاجتماعية والمدرّبة في مركز إعادة تأهيل الأطفال المجنّدين في الحرب، أشارت بدورها إلى رصد ازدياد ملحوظ في عرض ألعاب بأشكال تحاكي واقع أسلحة الحرب في اليمن. وقالت في لقاء مع وكالة أنباء العالم العربي (AWP) إن انتشار ألعاب الحرب في اليمن "يعود إلى عدة عوامل، منها ما بات يعرف بالتطبيع مع العنف وسط الأطفال، وذلك بفعل ما تعرّض له الأطفال اليمنيّون من حرب طاحنة منذ تسع سنوات، مما أدى إلى تطبيع العنف في حياتهم". أضافت "هم يرون أدوات الحرب بشكل متكرّر في حياتهم اليومية... بل إنّ الكثير منهم شاركوا في حمل تلك الأسلحة الحقيقيّة أو استمعوا إلى أصوات إطلاقها، مما يقلّل شعورهم بالخوف منها". وتابعت "يُعاني الكثير من اليمنيين من الفقر المدقع بفعل الحرب، مما يجعلهم عاجزين عن شراء ألعاب أخرى لأطفالهم بأسعار تزيد على قدراتهم الماليّة... ألعاب الحرب تعدّ رخيصة الثمن نسبيّا، مما يجعلها خيارا متاحا للكثيرين". وترى العمري أن غياب الوعي أيضا من العوامل التي أسهمت في انتشار ألعاب الحرب في اليمن "حيث إن الكثير من الآباء والأمهات لا يدركون خطورة ألعاب الحرب على أطفالهم، فيما يعتقدون أنّها تساعدهم على تفريغ طاقاتهم السلبيّة، بينما هي في الواقع تعزّز لديهم سلوكيّات العُنف". وأشارت العمري إلى أنّ ألعاب الحرب تتسبّب في العديد من الآثار السلبيّة على أطفال اليمن "حيث تشجّع هذه الألعاب على سلوكيّات العنف العدوانيّة لدى الأطفال؛ كما أنّ تلك الأنواع من الألعاب تقلّل من قدرتهم على التحكّم بمشاعرهم وتزيد من ميولهم للعدوانيّة، بالإضافة إلى أنّها تثير مشاعر الخوف والقلق لديهم، خاصّة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها". وترى أن هذا يتطلب "حلولا متعددة ومتكاملة بين الأسرة والمجتمع والدولة، حيث إن نشر الوعي بين الآباء والأمّهات حول مخاطر ألعاب الحرب على أطفالهم أمر في غاية الأهميّة، وذلك من خلال حملات توعية منتظمة عبر وسائل الإعلام وورش العمل في المدارس وإدماج ألعاب بديلة ضمن دروس الأطفال في الصفوف الأولى". وتطالب أيضا بفرض قيود على استيراد ألعاب الحرب وبيعها في الأسواق اليمنية عبر وضع "قوانين صارمة... بالتوازي مع توفير بدائل إيجابيّة لألعاب الحرب، مثل الألعاب التعليميّة والرياضيّة والفنيّة". (الدولار الأميركي يُساوي 1700 ريال يمنيّ) ![dda02f5d-134d-4c3f-83ad-d4d87d548427.jpg](https://dx6nmerofdgzj.cloudfront.net/prod/dda02f5d_134d_4c3f_83ad_d4d87d548427_ccda2f7173.jpg) **اليمنيّ جمال الحنش يستكمل تصنيع لعبة أطفال على شكل بندقيّة في مدينة مأرب وسط اليمن**
فوجئت الفلسطينية نبيلة النجّار باستئناف بعض محال الصاغة أعمالها من جديد في مركز مدينة خان يونس المدمرة جنوب قطاع غزة، والتي انسحب منها الجيش الإسرائيلي قبل نحو شهرين ونصف الشهر وأعلن توسيع المناطق المصنفة بالآمنة فيها لتشمل مركز المدينة والأحياء المحيطة بها. قرّرت النجار (65 عاما) الانطلاق من مركز المدينة والذهاب إلى بقايا منزلها المدمّر في بلدة بني سهيلا لتجلب حقيبة صغيرة كانت قد تركتها لدى ابنها الأصغر ووضعت فيها مصاغا وحليّ، حتى تعود إلى أحد محال الصاغة وتبيع جزءا منه لتوفّر تكاليف بعض احتياجات عائلتها. النجار، التي نزحت لخمسة أشهر في رفح قبل عودتها إلى المنزل المدمر في بني سهيلا منذ شهر ونصف الشهر، اضطرت للسير بين أكوام الركام المكدّس في الشوارع الرئيسة والفرعيّة لتصل إلى ضالّتها وتنقّلت بين ثلاث محال تكاد تكون الوحيدة التي أعادت فتح أبوابها بحثا عن مرادها. اهتدت السيدة الفلسطينية إلى المحلّ المطلوب، وبدأت التفاوض على أسعار البيع والشراء قبل أن تختار القطع التي ستبيعها وتلك التي ستستبدلها بأخرى؛ لكن ملامح الاستغراب كانت تبدو على وجهها وهي تتابع انشغال الباعة مع زبائن آخرين داخل المحل، إذ لم تتصور وجود هذا العدد الكبير من المتسوّقين في المدينة التي يصفها سكّانها بالأكثر دمارا في القطاع. تبتسم النجار وهي تتبادل أطراف الحديث مع البائع حول عدم توقّعها وجود هذه الأعداد الكبيرة من الزبائن، خصوصا أنّ المحال التجاريّة والمنازل والشوارع في المنطقة كلّها مدمرة تقريبا، فضلا عن أجواء الحرب والقصف والخوف التي تعتقد أنها تحول دون وصول الكثيرين إلى مركز المدينة. ### "شمعة أمل" انتشار باعة الذهب في مناطق ومخيّمات النزوح داخل أكشاك أو على بعض البسطات الصغيرة كان يثير مخاوف نبيلة من إمكانيّة تعرّضها للغشّ وعدم المصداقيّة في الجودة والأسعار؛ لذلك، فقد آثرت الانتظار للبيع والشراء من محال رئيسة ومعروفة العناوين والتجّار. وأوضحت أنّها كانت تستبعد عودة بعض مظاهر الحياة بهذه الطريقة لمركز مدينة خان يونس، كون مشهد الدمار يبعث على اليأس والإحباط ويُصعّب حتّى التنقل؛ لكنها وصفت الواقع الجديد الذي شاهدته داخل محال الصاغة وخارجها بأنّه "إضاءة شمعة أمل وسط ظلام اليأس الحالك الظُلمة". ونجحت بعض هذه المحال في ترميم بعض مكونّاتها وأماكن عرض مقتنياتها بشكل يُذكّر الفلسطينيين بملمح من حياتهم قبل الحرب. وقالت نبيلة "الأمر يتجاوز فكرة قضاء مصالح الفلسطينيين وتخفيف أعبائهم أو توفير احتياجاتهم، هو إرادة الحياة التي تتغلب على واقع الدمار... لكن حتّى هذا المشهد مؤلم، حاله حالة كل تفاصيل الحرب، فكيف لأناس فقدوا أحباءهم وخسروا كل ما يملكون أن يضمدوا جراحهم ويستأنفوا حياتهم من جديد؟" وتظهر بعض محال الصاغة وهي تفتح أبوابها في شارع البحر الرئيس وسط خان يونس، بينما يكاد لا يوجد أيّ محلّ آخر أو منزل مأهول بسكانه في شارع كان يوصف بالأكثر اكتظاظا بحركة التجارة والسكان، بعدما تعرّض لدمار واسع خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي المدينة على مدار أربعة أشهر. وتتكدس مخلّفات القصف عند مداخل المحال وعلى أجنباها، حيث استطاع أصحاب تلك المحال ترميم ما يستطيعون أن يرمّموه على صعيد تنظيف المكان ورفع الركام وإعادة ترتيب أماكن العرض المتبقيّة وتوفير إضاءة عبر الطاقة الشمسيّة ونحو ذلك. ### لا يُمكن الانتظار عبد الله عودة، وهو صاحب أوّل محل صاغة يعيد فتح أبوابه في خان يونس، يرى بدوره أنّ أمد الحرب طال ولا يمكن الانتظار أكثر من ذلك لاستئناف العمل، خصوصا أنّ لديه نحو 15 موظفا يعملون في فروعه الثلاثة. وقال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إنّ هذا دفعه إلى اتخاذ قرار العودة لفتح أحد محاله، والذي تعرض لأقل قدر من الدمار على نحو يجعل من الممكن استئناف العمل فيه. وأشار إلى أنّ الكثيرين كانوا ينتظرون عودة محال الذهب للعمل "كونها الأكثر طلبا خلال فترة الحرب، سواء للراغبين في البيع لحل أزماتهم الماليّة أو أولئك الذين يرغبون في الزواج وشراء بعض القطع الصغيرة لإتمام زفافهم بعدما انتظروا طويلا على أمل انتهاء الحرب". عودة، الذي يرأس نقابة العاملين في الذهب والفضة بخان يونس، أكّد أنّ حركة البيع والشراء كبيرة نظرا لإغلاق هذه المحال منذ بداية الحرب وحاجة الفلسطينيين الماسّة للبيع والشراء والاستبدال؛ وأوضح أنّ الشراء يتركّز على خواتم الخِطبة والزفاف بشكل أساسي بينما يشمل البيع جميع القطع "خصوصا الثمينة منها". وتحدّث تاجر الذهب عن مخاطر أمنيّة عالية يشكّلها العمل خلال هذه المرحلة من جانبين، قال إنّ أولهما "غياب الأجهزة الأمنيّة وانتشار حالة الفلتان بشكلٍ مُقلقٍ" ما يجعله يحرص على وجود سبعة عاملين على الأقل داخل المحلّ خشية تعرّضه لأيّ أذى. أمّا الجانب الثاني من وجهة نظر الرجل، فيتمثّل في استمرار الحرب وإمكانيّة تعرض المنطقة للقصف الإسرائيليّ في أيّ لحظة كما يحدث في أماكن كثيرة. ### خسائر كبيرة وأشار عودة إلى خسائر ماليّة كبيرة تكبّدها تجّار الذهب، سواء في ما يتعلّق بتدمير المحال والأسواق والممتلكات، أو الخسائر المترتّبة على توقّف العمل طول الأشهر الماضية. واعتبر أنّ محاولة استعادة الحياة التجاريّة ولو جزئيّا "تحمل رسائل إنسانية للمنكوبين في غزّة بوجود أمل في الخلاص من الحرب". وقال "ملامح الناس وهي تتفاجأ بفتح محلّ للذهب وسط الدمار تعكس كمّ اليأس المسيطر عليهم؛ يشاهدون بريق الذهب الأصفر وسط الركام الأسود وهم في حالة استغراب كبيرة، لدرجة سؤالي دوما كيف جرأت على هذه الخطوة؟" أضاف "لم يكن أمامنا أيّ فرصة سوى العمل حتّى في ظلّ أجواء القصف والموت المحيطة بنا، فهل المطلوب منّا الاستسلام والركون إلى ظروف الحرب؟ بالطبع لا". وحول أسعار الذهب، أوضح أنّهم يشترون غرام الذهب مقابل نحو 42 دينارا أردنيّا (حوالي 59 دولارا أميركيّا)، يقل أو يزيد بعض الشيء، بينما يكون سعر البيع أعلى بحوالي خمسة دنانير "حسب الجودة وتكلفة إعادة التصنيع والنوعيّة". وأشار إلى عدم وجود فرصة لعملية تبادل منتظمة لتوريد الذهب أو تصديره للخارج خلال الفترة الحالية كما كان يحدث قبل الحرب. _(الدولار الأميركي يُساوي 0.71 دينار أردنيّ)_
في منطقة يحشوش بجبل لبنان، تمتدّ دروب سير الراجلين لمسافة ثمانية كيلومترات تبدأ من قمة الجبل المطلّ على وادي أدونيس وتنحدر عبر الأشجار والأحراج مرورا بأربعة شلّالات مياه نقيّة يمكن لمحبّي السباحة أن يمارسوا رياضتهم المفضلة فيها قبل أن يتابعوا السير بمحاذة نهر إبراهيم حتى نقطة النهاية. أمّا في منطقة أفقا، بجبل لبنان أيضا، فيكون المسير ضمن منحدرات جبليّة تطلّ على قرى تابعة لقضاء جبيل وتمتد لنحو عشرة كيلومترات وصولا إلى شلّالات أفقا الغزيرة، التي يتجمّع بائعوا الكرز والعسل والأعشاب على مدخلها ليعرضوا على الزائرين بضائعهم من المنتجات الزراعيّة التي تشتهر بها المنطقة، وهي من الوجهات السياحيّة المفضّلة لمحبّي رياضة المشي. وتفتح رياضة الهياكينغ هذه سُبلاً عديدة لمحبّي التعرّف على المناطق الطبيعيّة والجولات بين قرى الجبل، حيث تصف الناشطة البيئية إيفلينا الهاشم، المشاركة في تنظيم مجموعات السير في الطبيعة بجبل لبنان، مسارات المشي تلك بأنّها "عمليّة اكتشاف للطبيعة، تنقلنا من الكلام النظري عن أهمية الحفاظ على البيئة إلى الإحساس بها". وقالت الهاشم في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) "كلّ المجموعات حريصة على عدم رميّ النفايات بجولاتها؛ وحين ترى وجودها في الأنهار وتحت الأشجار، تدرك كيف تُلوّث تلك المواد التربة والمياه وتبعث روائح كريهة". أضافت "المشي في الطبيعة يعرّف الناس على بلدهم؛ فمن يعيش في جنوب لبنان لديه رغبة في التعرّف على المناطق الجبليّة شمالا. ولأن المواصلات مرتفعة التكاليف، يتّجه الأشخاص إلى المجموعات التي تكون أقلّ تكلفة". وأشارت إلى أن تكلفة استقلال سيّارة أجرة من العاصمة بيروت إلى جونية شمالا، وهي مسافة تقدر بحوالي 20 كيلومترا، تصل إلى نحو 20 دولارا ذهابا فقط، فيما مشاركة مع مجموعة من مدينة صيدا جنوبا إلى جبيل شمالا لمسافة تبلغ نحو 80 كيلومترا تكلّف 20 دولارا ذهابا وإيابا.  ### دروب ممتدّة تستدعي تنظيما ووفقا للناشطة البيئية، فإنّ الأرقام الصادرة عن الحركة البيئيّة اللبنانيّة تُبيّن أنّ هناك 100 درب للمشي في الطبيعة، بمجموع مسافات يصل إلى نحو 600 كيلومتر. وقالت إنّ "قادة المجموعات طوّروا أساليب عملهم؛ فلم يعد المهمّ معرفتهم بالطرقات فقط وإنما امتلاكهم معلومات عن المنطقة بيئيّا واجتماعيّا، مما يساهم بنقلِها إلى المشاركين معهم". وأوضحت أنّ المجموعات تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي للتعريف برحلاتها عبر إعلام المشاركين عن مدّة السير وصعوبته والمواد المطلوب توفرها معهم، حيث تترواح أعداد المشاركين بين 15-70 شخصا. لكنها ترى أنه يجب تنظيم هذه الدروب بقوانين يشرّعها البرلمان "لحمايتها من أيّ تجاوزات واعتداءات وتعديات، مثل مقالع الصخور وقطع الأشجار". كما تشير إلى أهميّة وجود أشخاص مدربّين على التعامل مع الحالات الطارئة يخضعون لدورات إسعاف أولويّة للتعامل مع أي إصابة بين المشاركين. أضافت "مع ازدياد أعداد المجموعات وتحوّلها إلى أحد أساليب السياحة الداخليّة ودورها في حماية الطبيعة، أصبح الحديث عن ضرورة تنظيمها رسميّا مع الوزارات، كالسياحة أو البيئة، ليكون الأشخاص المسؤولون عنها معترفٌ بهم رسميا ولتمكنّهم من الحصول على دعم ماليّ أو تسهيلاتِ لعملهم، وليُفتح لهم المجال للتنسيق مع مشاركين من خارج لبنان". ### التعرف على الآخر في وادي قنوبين بمحافظة كسروان، تجتمع الطبيعة مع الأديرة والكنائس المسيحيّة التي يعود تاريخُها لأكثر من ألف عام، والمحفورة بصخور الجبال، حيث يعيش فيها رهبان ويزرعون أراضيها ويستقبلون الزوّار القادمين للصلاة والسياحة. آية الصالح (25 عاما)، القادمة من مدينة صيدا بجنوب لبنان، قالت في حديث لوكالة أنباء العالم العربي إنّها تُمارس رياضة المشي منذ حوالي سنة، وتجاوز عدد مرّات مشاركتها في الجولات خلال تلك المدّة أكثر من 25 مرّة. أضافت "كون مدينتي بعيدة عن المناطق الجبليّة، فقد كانت معرفتي بها فقط عبر البرامج التلفزيونيّة والمواقع الإلكترونيّة؛ لكن مع المشاركة في المسارات، أصبحتُ على اتصال مباشرة معها لتكون جزءا من تفاصيل حياتي مثل الدراسة والعمل". وتابعت "هذه الجولات تعطيني راحة نفسيّة كبيرة بعيدا عن الضوضاء التي نعيشها في المدن، وتسمح لنا بالابتعاد عن هواتفنا والأخبار اليوميّة لمدّة خمس ساعات أسبوعيّا، فنفرّغ طاقتنا في مكان صحيح بدلا من التوجّه نحو الطرق غير السليمة". وترى آية أنّ الشباب في لبنان يعانون ضغوطا اجتماعيّة واقتصاديّة عديدة بسبب تراجع فرص العمل وتدنّي الأجور "فهم بحاجة لفسحات يرتاحون بها لبعض الوقت حفاظا على صحّتهم". من جانبها، تشير فاطمة الكردي (20 عاما) إلى أنّ السير في المناطق اللبنانيّة هدفه بالنسبة لها التعرّف على الآخر. وقالت في حديث لوكالة أنباء العالم العربي إنّ "هناك أحكاما مسبقة منتشرة بين الطوائف تجاه بعضها، والتّي تعود لأسباب سياسيّة وحزبيّة، ورفعت من حدّتها النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي". أضافت "التوجّه نحو منطقة مختلفة عني دينيّا يُساعدني على اكتشاف الإنسان بعاداته وتقاليده كما يعيشها هو، وليس كما ينقلونها لنا؛ وفي الوقت نفسه، أعرّف نفسي بهذا الشخص، بأفكاري وأحلامي وليس بالصورة التي كوّنها عنّي". كما ترى أنّ ممارسة رياضة المشي في الطبيعة والتشارك في الطعام والشراب والتعب والمساندة في المسير "تكسر الحواجز وتقرّب المسافات بطريقة غير مباشرة... لسنا بحاجة لمحاضرات ولا زعماء سياسيّين يتحدّثون عن أهميّة العيش المشترك؛ فنحن نتشارك بحياة واحدة".

الأخبار

  • الاثنين، ١٧ يونيو ٢٠٢٤ في ٤:٥٧ ص
  • الدنمركي إريكسن يكمل رحلة من الموت إلى الحياة في بطولة أوروبا

  • قبل 1100 يوم سقط الدنمركي كريستيان إريكسن أرضا بين الموت والحياة بعد إصابته بسكتة قلبية في مباراة الدنمرك وفنلندا ببطولة أوروبا لكرة القدم 2020. واليوم الأحد في شتوتغارت، أكمل إريكسن رحلة من الموت إلى الحياة بتسجيل هدفه الأول في بطولة أوروبا في تعادل الدنمرك مع سلوفينيا. وفي تلك الأمسية في كوبنهاغن ...

  • الأحد، ١٦ يونيو ٢٠٢٤ في ٤:٥٣ م
  • الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب غزة

  • أفادت صحيفة (جيروزاليم بوست) يوم الأحد نقلا عن الجيش الإسرائيلي بأن أحد جنوده قتل في جنوب قطاع غزة. وأوضح الجيش أن القتيل يدعى ياكير ياكوف ويبلغ من العمر 21 عاما وكان أحد أفراد الكتيبة601. وفي وقت سابق، أفاد موقع (واي نت) التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت بأن الجيش الإسرائيلي أعلن مقتل اثنين من جنوده في ...

الصور

اختيارات المحررين

  • الاثنين، ١٧ يونيو ٢٠٢٤ في ٤:٥٧ ص
  • الدنمركي إريكسن يكمل رحلة من الموت إلى الحياة في بطولة أوروبا

  • اقرأ المزيد
  • الأحد، ١٦ يونيو ٢٠٢٤ في ٩:٠٥ ص
  • مع قرب انتهاء حرب غزة.. هل يذهب نتنياهو لحرب مع حزب الله غير مضمونة النتائج؟

  • اقرأ المزيد
  • السبت، ١٥ يونيو ٢٠٢٤ في ١٠:٥٣ ص
  • أوتار القنبوس اليمني تُقاوم الحرب والقحوم يُهدي العالم سيمفونيات تربط الماضي بالحاضر

  • اقرأ المزيد
  • الجمعة، ١٤ يونيو ٢٠٢٤ في ١١:١٥ م
  • عضو بحزب الرئاسة الفرنسي لـAWP: فوز اليمين المتطرف بالانتخابات الأوروبية ستترتب عليه تأثيرات سياسية واجتماعية كبرى

  • اقرأ المزيد
  • الجمعة، ١٤ يونيو ٢٠٢٤ في ٩:٣١ م
  • اكتظاظ شديد في محطّات النقل بتونس قبيل عيد الأضحى والركّاب يتهافتون للفوز بتذكرة سفر

  • اقرأ المزيد
  • الجمعة، ١٤ يونيو ٢٠٢٤ في ٤:٥٧ ص
  • مدير مهرجان دقة الدولي لـAWP: تقديم موعد المهرجان هذا العام لتجنب "تخمة" المهرجانات الصيفية

  • اقرأ المزيد